الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

157

تفسير روح البيان

من العرش فيكون المجموع مقدار خمسين الف سنة تأمل تعرف ان كلامه ليس بصحيح من وجوه الأول ان المراد في هذا المقام بيان الطول من أسفل العالم إلى أعلاه وانه مقدار خمسين الف سنة لا من صحن الجنة إلى سقفها لأنه على ما ذكره من المسافة بين العرشين يزيد على ذلك المقدار بالنظر إلى أسفل العالم زيادة بينة فلا يحصل المقصود ولثانى ان المراد النبي عليه السلام من التمثيل بما بين السماء والأرض ليس التحديد بل بيان مجرد السعة وطول الامتداد بما لا يعرفه الا اللّه كما يقتضيه المقام والثالث ان الحديث الذي أورده لا يدل على أن نهاية الدرجة الأخيرة من تلك الدرجات منتهة إلى الدرجة السافلة من العرش بل هو ساكت عنه فيجوز أن يكون المقدار أزيد مما ذكره لان طبقات المجاهدين متفاوتة على أن سقف الجنة وان كان هو عرش الرحمن لكن المراد به ذروته وهي التي ينتهى دونها عالم التركيب وهي موضع قدم النبي عليه السلام ليلة المعراج وما بين أسفل الجنة من محدب الكرسي إلى أعلاها من تلك الذروة التي هي محدب العرش لا حد له يعرف على ما سيجيئ في سورة الأعلى ان شاء اللّه تعالى فإذا تحققت هذا البيان الشافي في الآية الكريمة وهو الذي أشار اليه الحكماء الإلهية فدع عنك القيل والقال الذي قرره أهل المراء والجدال فمنه ان قوله في يوم بيان لغابة ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على منهاج التمثيل والتخييل والمعنى من الارتفاع بحيث لو قدر قطعها في ذلك لكان ذلك الزمان مقدار خمسين الف سنة من ستى الدنيا انتهى وفيه ان كونه محمولا على التمثيل انما يظهر إذا فسرت المعارج بغير السماوات وهو خلاف المقصود ومنه ان معناه تعرج الملائكة والروح إلى عرشه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة اى يقطعون في يوم من أيام الدنيا ما يقطعهه الإنسان في خمسين الف سنة لو فرض ذلك القطع وذلك لغاية سرعتهم وقوتهم على الطيران وبالفارسية اگر يكى از بني آدم خواهد كه سير كند از دنيا تا آنجا كه محل امر ملائكة است وايشان بيكروز ميروند أو بدين مقدار سال تواند رفت انتهى . وفيه ان سير الملائكة لحظى فيصلون من أعلى الأوج إلى أسفل الحضيض في آن واحد فتقدير سيرهم باليوم المعلوم في العرف غير واضح ومنه ان اليوم في الآية عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وانها خمسون ألف سنة لا يدرى أحدكم مضى وكم بقي الا اللّه تعالى انتهى وفيه ان أيام الدنيا تزيد على ذلك زيادة بينة كما لا يخفى على أهل الأخيار وعندي انها ثلاثمائة وستون ألف سنة بمقدار أيام السنة دل عليه قولهم ان عمر الإنسان جامعة من جمع الآخرة وقد أسلفناه في موضعه ومنه ان المراد باليوم هو يوم من أيام الدنيا يعرج فيه الأمر من منتهى أسفل الأرضين إلى منتهى أعلى السماوات ومقدار ذلك اليوم خمسون ألف سنة واما اليوم الذي مقداره ألف سنة كما في سورة ألم السجدة فباعتبار نزول الأمر من السماء إلى الأرض وباعتبار عروجه من الأرض إلى السماء فللنزول خمسمائة وكذا للصعود والمجموع ألف وفيه انه زاد في الطنبور نغمة أخرى حيث اعتبر العروج من أسفل الأرضين ليطول المسافة وظاهر انه لا يتم المقصود بذلك ومنه ان المراد تصعد الحفظة باعمال بني آدم كل يوم إلى محلى قربته